محمد عزة دروزة

37

التفسير الحديث

آمن ممن سبق في علم اللَّه أن يحجّ إلى يوم القيامة لبيك اللهم لبيك وفي رواية ( ما سمعه يومئذ من إنس وجن وشجر وأكمة وتراب وجبل وماء ، ولا أي شيء آخر من خلق اللَّه إلَّا قال : لبيك اللهم لبيك ) . وليس شيء من ذلك واردا في كتب الأحاديث المعتبرة . والأولى الوقوف عندما اقتضت حكمة التنزيل إيحاؤه والإيمان به ، مع القول إن الروايات تؤكد ما قلناه من أن أهل بيت النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كانوا يتداولون ذلك قبل الإسلام ، ومع الإيمان بأنه لا بدّ من أن يكون لما جاء في الآيات من ذلك حكمة . لعلّ منها تذكير السامعين بما يعرفون ، وبأن اللَّه الذي يعترفون به ويقدسون بيته قد جعل هذا البيت مثابة للناس جميعا ، ومطهرا من الشرك من لدن إبراهيم الذي ينتسبون إليه بالنبوة ، ثم التنديد بهم لمخالفتهم ذلك وصدّهم المسلمين عنه ، وخرقهم حرمته وشركهم باللَّه وإقامة أوثانهم عند بيته المطهر ، حيث تستحكم بذلك فيهم الحجة . ولقد روى الطبري قولين في معنى * ( بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) * أحدهما إنه القديم جدا حيث ورد في آية في سورة آل عمران أنه أوّل بيت وضع للناس وهي إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وهُدىً لِلْعالَمِينَ ‹ 96 › فِيه آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ ومَنْ دَخَلَه كانَ آمِناً ولِلَّه عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْه سَبِيلًا ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ‹ 97 › . وثانيهما أنه بمعنى أعتقه اللَّه من الجبابرة . وقد روى الترمذي في هذا المعنى حديثا عن عبد اللَّه بن الزبير أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « إنّما سمّي البيت العتيق لأنّه لم يظهر عليه جبّار » ( 1 ) . فإذا صحّ الحديث فمن الحكمة الملموحة فيه توكيد قدسيته وعناية اللَّه به وتحريم البغي والظلم فيه وصدّ الناس عنه ، وبهذا يتسق الحديث مع مدى الآيات . ومع أن الآيات تحكي ما أمر اللَّه به إبراهيم ، فإنها تلهم أنها تحكي كذلك ما توطَّد من عادة العرب قبل الإسلام من الحجّ للكعبة في أيام معينة ومجيئهم إليها من كلّ صوب قريب وبعيد ، وتجشّمهم المشاق بسبيل ذلك ومن الطواف حولها

--> ( 1 ) التاج ج 4 ص 161 .